أحمد مصطفى المراغي

11

تفسير المراغي

وهذان النوعان فاشيان الآن في بلاد الإفرنج والبلاد التي تقلدهم في شرورهم كمصر والآستانة وبعض بلاد الهند . وقصارى القول : إن اللّه فرض في نكاح الإماء مثل ما فرض في نكاح الحرائر من الإحصان والعفة لكل من الزوجين ، لكن جعل الإحصان وعدم السفاح في نكاح الحرائر من قبل الرجال أولا وبالذات فقال ( مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ) لأن الحرائر ولا سيما الأبكار أبعد من الرجال عن الفاحشة وأقل انقيادا لطاعة الشهوة ، إلى أن الرجال هم الطالبون للنساء والقوّامون عليهن . وجعل قيد الإحصان في جانب الإماء ، فاشترط على من يريد أن يتزوج أمة أن يتحرى فيها أن تكون محصنة مصونة في السر والجهر فقال ( مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ ) وذلك أن الزنا كان غالبا في الجاهلية على الإماء وكانوا يشترونهن للاكتساب ببغائهن حتى إن عبد اللّه بن أبىّ كان يكره إماءه على البغاء بعد أن أسلمن فنزل في ذلك : « وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا » . إلى أنهن لذلّهن وضعفهن وكونهن مظنّة للانتقال من يد إلى أخرى - لم تمرّن نفوسهن على الاختصاص برجل واحد يرى لهن عليه من الحقوق ما تطمئنّ به نفوسهن في الحياة الزوجية التي هي من شؤون الفطرة . ( فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ) أي إن الإماء إذا زنين بعد إحصانهن بالزواج فعليهن من العقاب نصف ما على المحصنات الكاملات وهن الحرائر إذا زنين ، وهذا العقاب ما بينه سبحانه بقوله « الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ » فتجلد الأمة المتزوجة خمسين جلدة ، وتجلد الحرة مائة . والسر في هذا ما قدمناه فيما سلف وهو كون الحرة أبعد عن داعية الفاحشة ، والأمة ضعيفة عن مقاومتها ، فرحم اللّه ضعفها ، وخفف العقاب عنها ، وقد قيدوا المحصنات